العيني
111
عمدة القاري
المثالين الأولين يتعذر إقامة البينة بخلاف الوديعة ، ثم في الإعطاء بالوصف منهم من شرط الأوصاف الثلاثة ، ومنهم من اقتصر على البعض . وعند مالك خلاف . قيل عنده : لا بد من معرفة الجميع . وقيل : يكفي وصفان . وقيل : لا بد من العفاص والوكاء . وفي ( شرح السنة ) : اختلفوا في أنه لو ادعى رجل اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها فذهب مالك وأحمد إلى أنه : يدفع إليه من غير بينة أقامها عليه ، وهو المقصود من معرفة العفاص والوكاء . وقال الشافعي والحنفية : إذا وقع في النفس صدق المدعي فله أن يعطيه وإلاَّ فبينه . الثاني : هل يجب على اللاقط التقاط اللقطة ؟ فروي عن مالك الكراهة ، وروي عنه أن أخذها أفضل فيما له بال ، وللشافعي ثلاثة أقوال : أصحها : يستحب الأخذ ولا يجب . والثاني : يجب . والثالث : إن خاف عليها وجب ، وإن أمن عليها استحب . وعن أحمد : يندب تركها . وفي ( شرح الطحاوي ) : إذا وجد لقطة ، فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه ، وإذا كان لم يأمن لا يرفعها ، وفي ( شرح الأقطع ) : يستحب أخذ اللقطة ولا يجب ، وفي ( النوازل ) قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام : ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه ورفع اللقيط أفضل من تركه ، وفي ( خلاصة الفتاوى ) : إن خاف ضياعها يفترض الرفع ، وإن لم يخف يباح رفعها ، أجمع العلماء عليه ، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب ، وفي ( فتاوي الولواجي ) : اختلف العلماء في رفعها ، قال بعضهم رفعها أفضل من تركها ، وقال بعضهم : يحل رفعها ، وتركها أفضل . وفي ( شرح الطحاوي ) : ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية . وقال بعض مشايخنا : هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان حتى وضع هناك ، فأما إذا ذهب عن مكانه ذلك ثم أعادها ووضعها فيه فإنه يضمن . وقال بعضهم : يضمن مطلقاً ، وهذا خلاف ظاهر الرواية . الثالث : احتج به من يمنع التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها ، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد ، ويقال عند الشافعي : لا يصح في الكبار ويصح في الصغار ، وعند مالك : لا يصح في الإبل والخيل والبغل والحمار فقط ، وعند أحمد : لا يصح في الكل حتى الغنم ، وعنه : يصح في الغنم . وفي بعض شروح البخاري : وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط ، إلاَّ أن يوجد بقرية أو بلد فيجوز على الأصح . وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل . ثالثها : يجوز في القرى دون الصحراء . وقالت الشافعية : في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي . وعند المالكية خلاف في ذلك . وقال ابن القاسم : يلحق البقر بالإبل دون غيرها إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع . وقال القاضي : اختلف عند مالك في الدواب والبقر والبغال والحمير ، هل حكمها حكم الإبل أو سائر اللقطات ؟ وقالت الحنفية : يصح التقاط البهيمة مطلقاً من أي جنس كان ، لأنها مال يتوهم ضياعه ، والحديث محمول على ما كان في ديارهم ، إذ كان لا يخاف عليها من شيء ، ونحن نقول في مثله بتركها ، وهذا لأن في بعض البلاد الدواب يسيبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها فيمسكوها وقت حاجتهم ، ولا حاجة في التقاطها في مثل هذه الحالة ، والذي يدل على هذا ما رواه مالك في ( الموطأ ) عن ابن شهاب قال : كان ضوال الإبل في زمن عمر ، رضي الله عنه ، إبلاً مؤبلة ، تتناتج لا يمسكها أحد ، حتى إذا كان زمن عثمان ، رضي الله عنه ، أمر بمعرفتها ثم تباع ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها . قلت : قال الجوهري : إذا كانت الإبل للقنية فهي إبل مؤبلة . الرابع : التعريف باللقطة . قال أصحابنا : يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن ربها لا يطلبها ، وهو الصحيح ، لأن ذلك يختلف بقلة المال وكثرته ، وروى محمد بن أبي حنيفة : إن كانت أقل عن عشرة دراهم عرفها أياماً ، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولاً ، وقدره محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير ، وهو قول الشافعي ومالك . وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها إن كانت مائتي درهم فصاعداً يعرفها حولاً ، وفيما فوق العشرة إلى مائتين شهراً ، وفي العشرة جمعة ، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام ، وفي درهم يوماً ، وإن كانت تمرة ونحوها تصدق بها مكانها ، وإن كان محتاجاً أكلها مكانها . وفي ( الهداية ) : إذا كانت اللقطة شيئاً يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان يكون القاؤه مباحاً ، ويجوز الانتفاع به من غير تعريف ، لكنه مبقي على ملك مالكه لأن التمليك من المجهول لا يصح . وفي ( الواقعات ) : المختار في القشور والنواة تملكها ، وفي الصيد لا يملكه ، وإن جمع سنبلاً بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك ، وإن سلخ شاة ميتة فهو له ، ولصاحبها أن يأخذها منه ، وكذلك الحكم في صوفها . وقال القاضي : وجوب التعريف سنة إجماع ، ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلاَّ ما روي عن عمر ، رضي الله عنه ، ولعله لم يثبت عنه . قلت : وقد روي عنه أنه يعرفها ثلاثة أشهر . وعن أحمد : يعرفها شهراً ، حكاه المحب الطبري في أحكامه